سميح دغيم

270

موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي

وآله عن نفسه ليلة المعراج ، إنّه بلغ إلى مقام كان يسمع صريف أقلام الملائكة ، ثم إذا نزل إلى ساحة الملكوت السماوي ، ويتمثّل له صورة ما شاهدها في لوح نفسه الواقعة في عالم الأرواح القدرية ، ثم يتعدّى منه الأثر إلى الظاهر ، وحينئذ يقع للحواس الظاهرة شبه دهش ونوم ، لما علمت أن الروح القدسي لضبطه الجانبين ، يستعمل المشاعر الحسّية ، وتشيّعها في سبيل معرفة اللّه وطاعة الحقّ ، فإذا خاطبه اللّه خطابا بلا حجاب من الخلق بواسطة الملك أو بدونه ، واطّلع على آيات ربّه ، وانطبع في فص نفسه القدسية نقش الملكوت وصورة اللاهوت ، كان ينشبح له مثال من الوحي وحامله إلى الحسّ الباطن ، فيتجذّب قوّة الحسّ الظاهر إلى فوق ، ويتمثّل لها صورة غير منفكّة عن روحها الحقيقي ، لا كصورة الأحلام والخيالات ، فيتمثّل لهذا حقيقة الملك بصورته المحسوسة بحسب ما يحتملها ، فيرى ملكا على غير صورته التي كانت له في عالم الأمر ، بل على صورته الخلقية القدرية ، ويسمع كلامه بعد ما كان وحيا ، أو يرى لوحا بيده مكتوبا ، فيكون الموحى إليه يتّصل بالملك بباطنه وروحه ، ويتلقّى منه المعارف الإلهية ، ويشاهد آيات ربّه الكبرى ، ويسمع كلامه الحقيقي العقلي من الملك الذي هو الروح الأعظم ، ثم يتمثّل له الملك بصورة محسوسة ، ويسمع كلامه بصورة أصوات وحروف منظومة مسموعة ، ويشاهد فعله وكتابه بصورة أرقام ونقوش مبصرة ، فيكون كل من الملك وكلامه وكتابه يتأدّى من باطنه إلى مشاعره وقواه المدركة ، وهذه التأدية ليست عبارة عن انتقال الملك الموحى وما يحمله من الوحي إلى الموحى إليه ، بل مرجعها إلى انبعاث نفس النبي صلى اللّه عليه وآله من نشأة الباطن إلى نشأة الظاهر ، بعد سفرها الأول من الشهادة إلى الغيب ، ولهذا يعرض للقوى الحسّية شبه الدهش ، وللموحى إليه شبه الغشى ، ثم يرى ويسمع ، وبذلك يقع الإنباء ، فهذا معنى تنزيل الكلام وإنزال الكتب من ربّ العالمين . ( مفغ ، 36 ، 16 ) تنزيل الكلام وإنزال الكتب - نقول في كيفية تنزيل الكلام وإنزال الكتب : إنّ الروح الإنسانية كمرآة مجلوّة إذا صقلت بصقالة العقل النظري وزالت عنها غشاوة الطبيعة ورين المعصية فحينئذ لاح لها نور المعرفة والإيمان ، وهو المسمّى عند أئمّة الحكمة بالعقل بالفعل ، وبهذا النور يتراءى منها حقائق الملكوت وخفايا الجبروت ، كما يتراءى الأشباح المثالية في المرايا العقلية إذا لم تفسد صقالتها بطبع ورين ، لقوله : وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( التوبة : 87 ) كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( المطففين : 14 ) . فإذا أعرضت عن البدن والاشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحسّ والتخيّل وتوجّهت وولّت بوجهها تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتّصلت